احمد العجيے
10-23-2008, 08:39 AM
http://www3.0zz0.com/2008/10/23/05/107105286.jpg (http://www.0zz0.com)
صوته الرقيق لا يدفعك إلا أن تحبه... الأمان في عينيه يدعوك لشيء واحد هو الاطمئنان إليه، اعتدنا أن نستمع إلى دعائه بعد كل صلاة فأعطاها مذاقا خاصاً، اعتدنا أن نستمع إليه كل يوم جمعة فلا يكون ليوم إجازتنا من المدرسة طعما إلا بخطبته، اعتدنا أن ننصت إلى صوته الرقيق قبل ساعة الإفطار كل رمضان فلم يكن للإفطار لذة إلا بصوته.. هو الشيخ "الشعراوي".. الذي لايحتاج إلى مناسبة من أجل الاحتفاء به مهما اختلف عليه البعض، في السطور القادمة محاولة لتقليب بعض أوراق الشيخ "الشعراوي" الذي مر على يوم ميلاده في 16 أبريل الماضي 97 عاماً...
الريف في الفيلا!
لن تقابل أحداً أحب الريف مثلما أحبه وعشقه الشيخ "الشعراوي" فمن شدة حبه له أخذه معه إلى القاهرة في داخل فيللته بالهرم حرص الشيخ الجليل على أن يبني بيتاً ريفياً له طابعه الخاص لدرجة أن دخولك إليه ينسيك أنك في منطقة الهرم أو في القاهرة من أساسه.. فقد صمم "الشعراوي" المنزل في دورين الدور الأول عبارة عن (حوش للمواشي) و(عشة) لتربية الطيور ومندرة خاصة للفرن البلدي المصنوع من الطوب والتبن أما الدور التاني فكان عبارة عن برج حمام... وجد الشيخ في هذا المكان وسيلة لتحقيق حلم حياته الذي حرمه منه أبيه فالشعراوي كان عاشقاً للأرض والزراعة والسماء المفتوحة وكانت أمنية حياته أن يصير فلاحاً لكن بعد أن دخل الأزهر حرم من هذا كله فجاء العمل، ثم جنى الأموال والشهرة قبل أن يبني هذه الفيلا ليضع فيها أسس حلمه الريفي القديم، كل يوم لابد أن تجد الشيخ "الشعراوي" جالساً هنا أمام منزله الريفي على الحصيرة أو تحت شجرة التوت لا يهم في كل الأحوال ستجده متأملاً لرفرفة الحمام فوق الشجر منصتاً إلى هدوء الريف المريح واضعاً يديه في مربع أرض اختصه لنفسه كان يزرعه ويرويه بيديه فكان يقسم هذا المربع إلى أجزاء يزرع كل جزء منها في أوقات مختلفة من العام ومعظم زراعته كانت للجرجير وكان واضحاً لكل زاوره أن الشيخ "الشعراوي" أراد أن يهرب إلى هذا المنزل من ضغط العمل والشهرة والنجومية.. أحب دائما أن يعود إلى طبيعته، أن يذكر نفسه قائلاً: "أنا من تراب".
حكاوي الفنانين!
لكن هذا لم يمنعه من أن يتواصل مع الكبار والمشاهير، وخصوصا أهل الفن، فمنزله سواء في الحسين أو الهرم كان مقصداً لكثير من الفنانين، كما سعى هو بنفسه للقاء بعضهم، ومنهم "عماد حمدي"، و"تحية كاريوكا"، و"ليلى مراد"، و"شادية"، و"ياسمين الخيام"، و"مديحة كامل"، و"هناء ثروت"، والمذيعة "كاميليا العربي".
فعندما علم الشيخ "الشعراوي" أن الممثل القدير "عماد حمدي" أصيب باكتئاب شديد وأغلق على نفسه شقته ورفض استقبال أي شخص، ذهب إليه الشيخ بنفسه وطرق بابه وعرّفه بنفسه حتى فتح الباب، وجلس معه جلسة ليخلصه مما هو فيه من اكتئاب وهموم، ولم يتركه إلا بعد أن اطمأن عليه وطيّب خاطره ونفّس كربه!
أثناء تواجد الشيخ "الشعراوي" في فندق الحرم بالمدينة المنورة في الحج ووسط شدة الزحام إذ بالفنانة "تحية كاريوكا" وقد أراد الله لها التوبة في آخر سنوات حياتها تنادي على الشيخ عن بعد في لهفة ولم يسمع الشيخ، فما كان منها إلا أن شقت الصفوف فجأة بكل قوتها واتجهت إلى الشيخ حتى اقتربت منه ونادت عليه فلم ينظر إلى وجهها، فقالت له بصوت مرتفع:
انصب طولك يا سيدنا الشيخ وأنظر إلى وجهي تعرفني!
فقال لها: أنا لا أعرفك
فقالت له: أنا الفنانة السابقة "تحية كاريوكا".. أريد أن أسلم عليك، وتدعو لي، فقال لها: لو عرفت أنك أنت التي تنادين عليّ كل هذه النداءات لاتجهت إليكِ "رأسا".. لا "رقصا"!
فضحك كل الحاضرين، وأخذ يطيّب خاطرها ويدعو لها من قلبه، وهي تبكي من قلبها من خشية الله إيماناً واحتساباً.
وكانت الفنانة "ليلى مراد" إحدى المترددات على الشيخ، وكانت تردد دائما أنها تتمنى من الله أن تنتج فيلماً عن "ليلى المسلمة"، وكانت قد أسلمت على يد الشيخ "محمود أبو العيون" في شهر رمضان وعندما نقلوها إلى المستشفى عند وفاتها تركت على سريرها المصحف الذي كانت تتلو منه القرآن الكريم وقد وضعت ورقة بيضاء عند سورة "نوح" وكانت دائمة الاستماع إلى دروس الشيخ في التليفزيون، أما الفنانة الكبيرة "شادية" فكان لقاؤها الأول مع الشيخ "الشعراوي" مصادفة في مكة المكرمة عندما نزلت من الأسانسير ليدخل الشيخ "الشعراوي" ولم يكن يعرفها، فتعرفت عليه، وقالت: عمي الشيخ الشعراوي أنا شادية فرحب بها، فقالت له: ربنا يغفر لنا، فقال لها: إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك.. وإن الله تواب رحيم. وبعدها سألت عن منزل "الشعراوي" في الحسين وذهبت إليه وقابلته، وكانت جلسة طويلة مباركة خرجت منها "شادية" وقد أمسكت بطوق النجاة واتجهت إلى القرآن والصلاة والعبادة وعمل الخيرات وقيام الليل الذي تقول إنها تنتظره بفارغ الصبر لأنها تجد فيه المتعة كل المتعة في رحاب الله في السحر، وقالت للشيخ: إن أول آية في القرآن جذبتها هي "ادعوني أستجب لكم".
معركة "توفيق الحكيم" والحديث مع الله!
قبل هذا كان "الشعراوي" قد خاض عدة معارك مع عدد من أعلام الأدب والفكر، ومنهم الكاتب الكبير "توفيق الحكيم" وكان "الشعراوي" عاشقاً للأدب العربي. أما معركة الشيخ الكبرى فكانت مع "توفيق الحكيم" حينما كتب الحكيم على مدى أربعة أسابيع ابتداء من 1 مارس 1983 سلسلة من المقالات بجريدة الأهرام بعنوان "حديث مع الله" ومما قاله الحكيم في مقالاته: "لن يقوم إذن بيننا حوار إلا إذا سمحت لي أنت بفضلك وكرمك أن أقيم أنا الحوار بيننا تخيلاً وتأليفاً، وأنت السميع ولست أنت المجيب، بل أنا في هذا الحوار المجيب عنك افتراضًا، وإن كان مجرد حديثي معك سيغضب بعض المتزمتين لاجترائي في زعمهم على مقام الله سبحانه وتعالى، وخصوصاً أن حديثي معك سيكون بغير كلفة".
لم يهدأ "الشعراوي" على كل كلمة قالها "توفيق الحكيم" فقد اعترض بداية على عنوان مقاله (حديث مع الله) فقال الشيخ: "الأستاذ توفيق الحكيم لم يقل لنا كيف كلمه الله.. هكذا مواجهة أم أرسل إليه ملكا أم ماذا حدث؟ وما هي الكيفية التي تم بها الحديث فإن كان الحديث من الله تخيلا أن الله يقول فكأن الأستاذ توفيق الحكيم قد قيد مرادات الله بمراداته، أي أنه قد قيد إرادة الله بإرادته هو؛ فما يريده عقل توفيق الحكيم يقوله الله سبحانه وتعالى في مقالاته وما لا يريده لا يقوله".
واستمر "الشعراوي" في الهجوم: "الكلمة عند عباد الله محدودة بكمال المتكلم فجاء توفيق الحكيم ليخضع كمال الله الأزلي إلى كماله المحدود، ويجعل الله سبحانه وتعالى يتكلم بلسان توفيق الحكيم وفكره وعقله، وكأنه في هذه الحالة قد أخضع فكر الخالق وقوله لفكر المخلوق.. فهل يصح هذا؟ وهل يمكن أن يضع فكر خالق لفكر مخلوق بحيث يتساوى الفكر بينهما؟ وهل من الممكن أن أخضع أنا المخلوق الضعيف فكر الله لفكري فأتحدث عنه وأتكلم عنه أليس هذا خطأ؟!". ولم يتوقف "الشعراوي" حتى قام "توفيق الحكيم" بتغيير مقالاته إلى (حديث إلى الله) بدلاً من "حديث مع الله".
من "فاروق" إلى "مبارك"!
بطبيعة حال ومكانة الشيخ "الشعراوي" كان حتماً أن يحدث تقارب ولقاءات بينه وبين حكام مصر.. وتمتع الشيخ "الشعراوي" بطبيعة ثائرة في صباه ورغبة في الصياح في وجه الفساد، وعندما كان في معهد الزقازيق رأس اتحاد الطلاب ولما تفجرت ثورة الأزهر 1934م خرج الشعراوي وأنشد بعض الأبيات التي اعتبرت عيباً في الذات الملكية فقبض عليه.. وهنا نروي ماحدث على لسانه (كنت الوحيد الذي ظل طليقا لفترة طويلة فقد كان رجال الحكومة يأتون للقبض عليّ ولكنهم كانوا يخطئونني ويقبضون على أناس غيري فاضطروا إلى القبض على أبي وأخي فسلمت نفسي إليهم وأخذوني إلى مأمور الزقازيق الذي اصطحبني إلى وكيل النيابة فقلت له إني لن أتكلم حتى يخرج المأمور، ثم قلت: الحقيقة إنها مصيبة أمة التي يعمل فيها بوليس جاهل، يسوي بيننا وبين اللصوص. وكان القاضي فيه وطنية تحكمه وكان يمد حبسنا كل أربعة أيام حتى حكم علينا بسجن شهر وكنا قد قضينا شهراً في السجن. وبذلك أفرج عنا".
اما الرئيس السابق "محمد نجيب" فكان على صلة دائمة بالشيخ "الشعراوي" ودائم التردد عليه في منزله حتى في مرضه كان يزوره الشيخ "الشعراوي".. أما الرئيس "جمال عبد الناصر" فقد كان للشعراوي معه قصة، فبينما كان الناس في مصر في شبه مأتم وقلوبهم دامية وعيونهم باكية في ذلة وانكسار بسبب انتصار اليهود الساحق على مصر في هزيمة يونيو 1967م سجد الشيخ "الشعراوي" شكراً على الهزيمة التي رأى أنها جاءت لتصويب الأخطاء التي ارتكبها "عبد الناصر" ومن معه إلا أن الكثيرين عاتبوه على هذا الفعل فمن مات على يد الإسرائيليين هم مصريون، ومن هزمت هي بلده مصر.
أما في عهد الرئيس "محمد أنور السادات" فقد كان "الشعراوي" وزيراً للأوقاف الا أن العديد من المشاحنات جرت بينهما.. بدأتها السيدة "جيهان السادات" حينما دعت الشيخ "الشعراوي" لإلقاء محاضرة على مجموعة من سيدات الروتاري في مصر الجديدة، فاشترط "الشعراوي" أن يكنَّ جميعاً محجبات، ووافقت "جيهان"، ولكنه حين ذهب "وكان وزيراً للأوقاف" وجدهن غير ذلك فغادر القاعة غاضباً وكان هذا سبباً للخلاف الذي دب بينه وبين الرئيس السادات، وظهر بعد ذلك حينما طالب بعض المسئولين الإسرائيليين منع "الشعراوي" من الحديث التليفزيوني؛ لأنه كان يتحدث عن آيات الجهاد بشكل مفصل، وهو أمر أثار حساسية لكن "السادات" لم يقم بتنفيذه بطبيعة الحال.
أما لقاء "مبارك" و"الشعراوي" فقد كان الأقوى بين مقابلات الشيخ مع رؤساء مصر، وفي هذا اللقاء قال "الشعراوي" لمبارك بعد نجاة الأخير من حادث الاغتيال في أديس أبابا عام 1995 قوله الشهير الذي علق بأذهان الكثيرين (يا سيادة الرئيس إني أقف على عتبة دنياي مستقبلاً آخرتي ومنتظراً قضاء الله فلن أختم حياتي بنفاق ولن أبرز عنتريتي باجتراء" ثم جعل يتحدث عن الحكم وكيف أن الانسان ينبغي ألا يطلبه وينبغي أن يطلب إليه حتى يوفقة الله فيه وفي النهاية قال قولته الشهيرة: "إذا كنت قدرنا فليوفقك الله، وإذا كنا قدرك فليعنك الله على أن تتحمل".. وكان هذا هو اللقاء الأخير فعلاً.
[/quote]
صوته الرقيق لا يدفعك إلا أن تحبه... الأمان في عينيه يدعوك لشيء واحد هو الاطمئنان إليه، اعتدنا أن نستمع إلى دعائه بعد كل صلاة فأعطاها مذاقا خاصاً، اعتدنا أن نستمع إليه كل يوم جمعة فلا يكون ليوم إجازتنا من المدرسة طعما إلا بخطبته، اعتدنا أن ننصت إلى صوته الرقيق قبل ساعة الإفطار كل رمضان فلم يكن للإفطار لذة إلا بصوته.. هو الشيخ "الشعراوي".. الذي لايحتاج إلى مناسبة من أجل الاحتفاء به مهما اختلف عليه البعض، في السطور القادمة محاولة لتقليب بعض أوراق الشيخ "الشعراوي" الذي مر على يوم ميلاده في 16 أبريل الماضي 97 عاماً...
الريف في الفيلا!
لن تقابل أحداً أحب الريف مثلما أحبه وعشقه الشيخ "الشعراوي" فمن شدة حبه له أخذه معه إلى القاهرة في داخل فيللته بالهرم حرص الشيخ الجليل على أن يبني بيتاً ريفياً له طابعه الخاص لدرجة أن دخولك إليه ينسيك أنك في منطقة الهرم أو في القاهرة من أساسه.. فقد صمم "الشعراوي" المنزل في دورين الدور الأول عبارة عن (حوش للمواشي) و(عشة) لتربية الطيور ومندرة خاصة للفرن البلدي المصنوع من الطوب والتبن أما الدور التاني فكان عبارة عن برج حمام... وجد الشيخ في هذا المكان وسيلة لتحقيق حلم حياته الذي حرمه منه أبيه فالشعراوي كان عاشقاً للأرض والزراعة والسماء المفتوحة وكانت أمنية حياته أن يصير فلاحاً لكن بعد أن دخل الأزهر حرم من هذا كله فجاء العمل، ثم جنى الأموال والشهرة قبل أن يبني هذه الفيلا ليضع فيها أسس حلمه الريفي القديم، كل يوم لابد أن تجد الشيخ "الشعراوي" جالساً هنا أمام منزله الريفي على الحصيرة أو تحت شجرة التوت لا يهم في كل الأحوال ستجده متأملاً لرفرفة الحمام فوق الشجر منصتاً إلى هدوء الريف المريح واضعاً يديه في مربع أرض اختصه لنفسه كان يزرعه ويرويه بيديه فكان يقسم هذا المربع إلى أجزاء يزرع كل جزء منها في أوقات مختلفة من العام ومعظم زراعته كانت للجرجير وكان واضحاً لكل زاوره أن الشيخ "الشعراوي" أراد أن يهرب إلى هذا المنزل من ضغط العمل والشهرة والنجومية.. أحب دائما أن يعود إلى طبيعته، أن يذكر نفسه قائلاً: "أنا من تراب".
حكاوي الفنانين!
لكن هذا لم يمنعه من أن يتواصل مع الكبار والمشاهير، وخصوصا أهل الفن، فمنزله سواء في الحسين أو الهرم كان مقصداً لكثير من الفنانين، كما سعى هو بنفسه للقاء بعضهم، ومنهم "عماد حمدي"، و"تحية كاريوكا"، و"ليلى مراد"، و"شادية"، و"ياسمين الخيام"، و"مديحة كامل"، و"هناء ثروت"، والمذيعة "كاميليا العربي".
فعندما علم الشيخ "الشعراوي" أن الممثل القدير "عماد حمدي" أصيب باكتئاب شديد وأغلق على نفسه شقته ورفض استقبال أي شخص، ذهب إليه الشيخ بنفسه وطرق بابه وعرّفه بنفسه حتى فتح الباب، وجلس معه جلسة ليخلصه مما هو فيه من اكتئاب وهموم، ولم يتركه إلا بعد أن اطمأن عليه وطيّب خاطره ونفّس كربه!
أثناء تواجد الشيخ "الشعراوي" في فندق الحرم بالمدينة المنورة في الحج ووسط شدة الزحام إذ بالفنانة "تحية كاريوكا" وقد أراد الله لها التوبة في آخر سنوات حياتها تنادي على الشيخ عن بعد في لهفة ولم يسمع الشيخ، فما كان منها إلا أن شقت الصفوف فجأة بكل قوتها واتجهت إلى الشيخ حتى اقتربت منه ونادت عليه فلم ينظر إلى وجهها، فقالت له بصوت مرتفع:
انصب طولك يا سيدنا الشيخ وأنظر إلى وجهي تعرفني!
فقال لها: أنا لا أعرفك
فقالت له: أنا الفنانة السابقة "تحية كاريوكا".. أريد أن أسلم عليك، وتدعو لي، فقال لها: لو عرفت أنك أنت التي تنادين عليّ كل هذه النداءات لاتجهت إليكِ "رأسا".. لا "رقصا"!
فضحك كل الحاضرين، وأخذ يطيّب خاطرها ويدعو لها من قلبه، وهي تبكي من قلبها من خشية الله إيماناً واحتساباً.
وكانت الفنانة "ليلى مراد" إحدى المترددات على الشيخ، وكانت تردد دائما أنها تتمنى من الله أن تنتج فيلماً عن "ليلى المسلمة"، وكانت قد أسلمت على يد الشيخ "محمود أبو العيون" في شهر رمضان وعندما نقلوها إلى المستشفى عند وفاتها تركت على سريرها المصحف الذي كانت تتلو منه القرآن الكريم وقد وضعت ورقة بيضاء عند سورة "نوح" وكانت دائمة الاستماع إلى دروس الشيخ في التليفزيون، أما الفنانة الكبيرة "شادية" فكان لقاؤها الأول مع الشيخ "الشعراوي" مصادفة في مكة المكرمة عندما نزلت من الأسانسير ليدخل الشيخ "الشعراوي" ولم يكن يعرفها، فتعرفت عليه، وقالت: عمي الشيخ الشعراوي أنا شادية فرحب بها، فقالت له: ربنا يغفر لنا، فقال لها: إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك.. وإن الله تواب رحيم. وبعدها سألت عن منزل "الشعراوي" في الحسين وذهبت إليه وقابلته، وكانت جلسة طويلة مباركة خرجت منها "شادية" وقد أمسكت بطوق النجاة واتجهت إلى القرآن والصلاة والعبادة وعمل الخيرات وقيام الليل الذي تقول إنها تنتظره بفارغ الصبر لأنها تجد فيه المتعة كل المتعة في رحاب الله في السحر، وقالت للشيخ: إن أول آية في القرآن جذبتها هي "ادعوني أستجب لكم".
معركة "توفيق الحكيم" والحديث مع الله!
قبل هذا كان "الشعراوي" قد خاض عدة معارك مع عدد من أعلام الأدب والفكر، ومنهم الكاتب الكبير "توفيق الحكيم" وكان "الشعراوي" عاشقاً للأدب العربي. أما معركة الشيخ الكبرى فكانت مع "توفيق الحكيم" حينما كتب الحكيم على مدى أربعة أسابيع ابتداء من 1 مارس 1983 سلسلة من المقالات بجريدة الأهرام بعنوان "حديث مع الله" ومما قاله الحكيم في مقالاته: "لن يقوم إذن بيننا حوار إلا إذا سمحت لي أنت بفضلك وكرمك أن أقيم أنا الحوار بيننا تخيلاً وتأليفاً، وأنت السميع ولست أنت المجيب، بل أنا في هذا الحوار المجيب عنك افتراضًا، وإن كان مجرد حديثي معك سيغضب بعض المتزمتين لاجترائي في زعمهم على مقام الله سبحانه وتعالى، وخصوصاً أن حديثي معك سيكون بغير كلفة".
لم يهدأ "الشعراوي" على كل كلمة قالها "توفيق الحكيم" فقد اعترض بداية على عنوان مقاله (حديث مع الله) فقال الشيخ: "الأستاذ توفيق الحكيم لم يقل لنا كيف كلمه الله.. هكذا مواجهة أم أرسل إليه ملكا أم ماذا حدث؟ وما هي الكيفية التي تم بها الحديث فإن كان الحديث من الله تخيلا أن الله يقول فكأن الأستاذ توفيق الحكيم قد قيد مرادات الله بمراداته، أي أنه قد قيد إرادة الله بإرادته هو؛ فما يريده عقل توفيق الحكيم يقوله الله سبحانه وتعالى في مقالاته وما لا يريده لا يقوله".
واستمر "الشعراوي" في الهجوم: "الكلمة عند عباد الله محدودة بكمال المتكلم فجاء توفيق الحكيم ليخضع كمال الله الأزلي إلى كماله المحدود، ويجعل الله سبحانه وتعالى يتكلم بلسان توفيق الحكيم وفكره وعقله، وكأنه في هذه الحالة قد أخضع فكر الخالق وقوله لفكر المخلوق.. فهل يصح هذا؟ وهل يمكن أن يضع فكر خالق لفكر مخلوق بحيث يتساوى الفكر بينهما؟ وهل من الممكن أن أخضع أنا المخلوق الضعيف فكر الله لفكري فأتحدث عنه وأتكلم عنه أليس هذا خطأ؟!". ولم يتوقف "الشعراوي" حتى قام "توفيق الحكيم" بتغيير مقالاته إلى (حديث إلى الله) بدلاً من "حديث مع الله".
من "فاروق" إلى "مبارك"!
بطبيعة حال ومكانة الشيخ "الشعراوي" كان حتماً أن يحدث تقارب ولقاءات بينه وبين حكام مصر.. وتمتع الشيخ "الشعراوي" بطبيعة ثائرة في صباه ورغبة في الصياح في وجه الفساد، وعندما كان في معهد الزقازيق رأس اتحاد الطلاب ولما تفجرت ثورة الأزهر 1934م خرج الشعراوي وأنشد بعض الأبيات التي اعتبرت عيباً في الذات الملكية فقبض عليه.. وهنا نروي ماحدث على لسانه (كنت الوحيد الذي ظل طليقا لفترة طويلة فقد كان رجال الحكومة يأتون للقبض عليّ ولكنهم كانوا يخطئونني ويقبضون على أناس غيري فاضطروا إلى القبض على أبي وأخي فسلمت نفسي إليهم وأخذوني إلى مأمور الزقازيق الذي اصطحبني إلى وكيل النيابة فقلت له إني لن أتكلم حتى يخرج المأمور، ثم قلت: الحقيقة إنها مصيبة أمة التي يعمل فيها بوليس جاهل، يسوي بيننا وبين اللصوص. وكان القاضي فيه وطنية تحكمه وكان يمد حبسنا كل أربعة أيام حتى حكم علينا بسجن شهر وكنا قد قضينا شهراً في السجن. وبذلك أفرج عنا".
اما الرئيس السابق "محمد نجيب" فكان على صلة دائمة بالشيخ "الشعراوي" ودائم التردد عليه في منزله حتى في مرضه كان يزوره الشيخ "الشعراوي".. أما الرئيس "جمال عبد الناصر" فقد كان للشعراوي معه قصة، فبينما كان الناس في مصر في شبه مأتم وقلوبهم دامية وعيونهم باكية في ذلة وانكسار بسبب انتصار اليهود الساحق على مصر في هزيمة يونيو 1967م سجد الشيخ "الشعراوي" شكراً على الهزيمة التي رأى أنها جاءت لتصويب الأخطاء التي ارتكبها "عبد الناصر" ومن معه إلا أن الكثيرين عاتبوه على هذا الفعل فمن مات على يد الإسرائيليين هم مصريون، ومن هزمت هي بلده مصر.
أما في عهد الرئيس "محمد أنور السادات" فقد كان "الشعراوي" وزيراً للأوقاف الا أن العديد من المشاحنات جرت بينهما.. بدأتها السيدة "جيهان السادات" حينما دعت الشيخ "الشعراوي" لإلقاء محاضرة على مجموعة من سيدات الروتاري في مصر الجديدة، فاشترط "الشعراوي" أن يكنَّ جميعاً محجبات، ووافقت "جيهان"، ولكنه حين ذهب "وكان وزيراً للأوقاف" وجدهن غير ذلك فغادر القاعة غاضباً وكان هذا سبباً للخلاف الذي دب بينه وبين الرئيس السادات، وظهر بعد ذلك حينما طالب بعض المسئولين الإسرائيليين منع "الشعراوي" من الحديث التليفزيوني؛ لأنه كان يتحدث عن آيات الجهاد بشكل مفصل، وهو أمر أثار حساسية لكن "السادات" لم يقم بتنفيذه بطبيعة الحال.
أما لقاء "مبارك" و"الشعراوي" فقد كان الأقوى بين مقابلات الشيخ مع رؤساء مصر، وفي هذا اللقاء قال "الشعراوي" لمبارك بعد نجاة الأخير من حادث الاغتيال في أديس أبابا عام 1995 قوله الشهير الذي علق بأذهان الكثيرين (يا سيادة الرئيس إني أقف على عتبة دنياي مستقبلاً آخرتي ومنتظراً قضاء الله فلن أختم حياتي بنفاق ولن أبرز عنتريتي باجتراء" ثم جعل يتحدث عن الحكم وكيف أن الانسان ينبغي ألا يطلبه وينبغي أن يطلب إليه حتى يوفقة الله فيه وفي النهاية قال قولته الشهيرة: "إذا كنت قدرنا فليوفقك الله، وإذا كنا قدرك فليعنك الله على أن تتحمل".. وكان هذا هو اللقاء الأخير فعلاً.
[/quote]